728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    السبت، 27 فبراير 2016

    الحكومة المصرية قررت أن تنهى جولة تضييق الخناق على منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان فى مصر






    يبدو أن الحكومة المصرية قررت أن تنهى جولة تضييق الخناق على عملنا فى منظمات الدفاع عنحقوق الإنسان فى مصر، وتقوم بخنق عمل هذه المنظمات عبر سلسلة إجراءات تعسفية يتخفى بعضها وراء قناع قانونى. وبصفتنا نعمل فى هذا المجال منذ نحو ثلاثين عاماً من أجل مناهضة التعذيب أو الدفاع عن حقوق المواطنين المدنية أو فى الصحة والتعليم والإسكان فإننا نشعر بقلق بالغ، وغير مسبوق، إزاء هذه الهجمة الشرسة، وتداعياتها، خاصة على ضحايا الانتهاكات المتزايدة.
    تستند الانتقادات والهجمات الأمنية والقانونية على العاملين بمجال حقوق الإنسان فى مصر على نظرية خائبة للمؤامرة، لم يمل القائمون عليها من إعادة ترديدها منذ ٢٠١١. ليست فقط نظرية خائبة، وخطيرة، لأنها لا تقوم على دليل أو حتى قرينة بل لأنها تنقل الحوار من مشاكل حقوق الإنسان الحقيقية التى يعانى منها ملايين المصريين إلى حوار غامض مبهم تتناثر فيه ألفاظ ضخمة مثل «الأمن القومى» و«مصلحة مصر» دون تحديد المعنى بهما، وكأنما هذا الأمن وتلك المصلحة يقتضيان إغفال النظر عن تعذيب المئات ومقتل بعضهم سنوياً فى أقسام الشرطة وأماكن الاحتجاز، وترك مرضى يموتون فى السجون دون علاج، وسجن كتاب بسبب آرائهم أو معتقداتهم أو حتى رواية خيالية كتبوها، وترك فقراء فى العراء أو دون علاج وتعليم مع توجيه موارد الدولة لأوجه إنفاق غير خاضعة للرقابة، بل وانتهاك القانون ذاته بحبس المواطنين احتياطياً لمدد تتعدى ما يسمح به القانون، بل وإخفاء بعضهم قسريا كما اعترفت وزارة الداخلية عبر المجلس القومى لحقوق الإنسان مؤخراً.

    تلك هى القضايا التى نعمل عليها فى مركز النديم لمساعدة وتأهيل ضحايا التعذيب، أو فى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أو فى مؤسسة حرية الفكر والتعبير، والتى يعمل عليها زملاؤنا فى مراكز ومؤسسات وجمعيات تسعى جميعها من أجل ما ترى أنه حق ومصلحة المصريين فى حياة تحفظ عليهم الحد الأدنى من العيش الكريم، وحقهم فى الحرية والعدالة. جميعنا نؤمن أن مصر ستحيا بالعدالة، وأن العدالة هى باب الاستقرار والتغلب على التحديات التى تواجه مجتمعنا.


    من يستفيد إذن من هذا التوجه الحكومى السافر المعادى للمدافعين عن حقوق الإنسان؟ لا مستفيد واضح سوى من ينتهكون حقوق الإنسان ويريدون أن يستمر هذا فى الظلام دون تغطية إعلامية أو توثيق قانونى أو انتقادات علنية واقتراحات بسياسات إصلاحية واضحة. المستفيدون هم من يريدون أن يلقوا بفشلهم على عاتق من يحذرهم من هذا الفشل، بل ويقترح أحياناً حلولاً إصلاحية. والخاسرون لا شك من وراء هذا التوجه سيكونون ضحايا الانتهاكات المتزايدة فى مجتمع بات مدفوعاً وسط هيستيريا إعلامية للتصالح مع العنف والقتل والتعذيب كوسيلة للخروج من المأزق الراهن. وأخيراً، ستكون الدولة نفسها، التى يدعى القائمون على الحملة المناهضة لمنظمات حقوق الإنسان أنهم يسعون لحمايتها، من بين الخاسرين من جراء خنق هذه المنظمات وشل عمل القائمين عليها.

    على مدى الأسابيع القليلة الماضية جرت محاولة مستمرة لإغلاق مركز النديم تحت دعاوى إجرائية واهية، وتم منع أكثر من مدافع مصرى عن حقوق الإنسان من السفر خارج البلاد بدعوى تنفيذ قرارات من النائب العام لم يتسن لأحد الاطلاع عليها، واُستدعى عدد من العاملين فى مؤسسات حقوقية معروفة ومستقلة للتحقيق فى قضية لم يتمكن أى محام من الحصول على مستنداتها واستيضاح أبعادها، ثم بدأت أجهزة الضرائب والتأمينات، بل وجهاز المصنفات الفنية، فى زيارة مقار بعض هذه المنظمات، وجرى اتهام بعضها بالتهرب الضريبى أو عدم دفع مستحقات تأمينية، بينما بات عدد من الجمعيات المسجلة لدى وزارة التضامن الاجتماعى شبه عاجزة عن العمل بسبب رفض الوزارة الموافقة على مشاريع مشتركة مع هيئات أجنبية مشروعة (ووفق على عملها فى مصر مراراً من قبل).

    جاءت كل هذه الإجراءات القانونية المبهمة والبيروقراطية بريئة المظهر بالتوازى مع حملة إعلامية شعواء فى منابر بتنا نتوقع منها مثل هذا الخطاب. صار من المستحيل تقريباً الدخول فى حوار هادئ حول دور المنظمات والأفراد المعنيين بحقوق الإنسان فى مصر، مع سيطرة أصوات زاعقة واتهامات فادحة لهذه المنظمات، وبرامج حوارية يتحدث بعض مقدميها باسم الدولة ويكيلون الاتهامات بناء على نظريات تآمرية تخلط معلومات واهية مستقاة من الإنترنت أو مصادر مجهولة مع عناوين قضايا لا يعلم أحد بالتحديد ماذا يجرى فيها.


    تتعامى هذه المحاولات المتميزة بالصوت العالى والسباب والتخوين، والفارغة من المضمون، أن كل هذه المنظمات تعمل علانية تحت سمع وبصر الحكومة وأجهزتها الأمنية والتنفيذية منذ سنوات عديدة، وتخضع فى عملها لقوانين مختلفة، سواء كانت شركة أو عيادة أو مؤسسة، وبعضها له وضع استشارى مع منظمة الأمم المتحدة، وحساباتها فى مصارف رسمية، ومديروها نساء ورجال معروفون لدى أجهزة الأمن التى تتابعهم (وتضيّق عليهم حسب الظروف السياسية) منذ عقود، وبعضهم حاصلون على جوائز دولية وإقليمية.


    بعد قرابة سبعين عاماً على إصدار الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، من المحزن أن تكون دولتنا التى ساهمت فى وضع هذا الإعلان تعمل بخطى حثيثة من أجل التضييق على العاملين فى هذا المجال، وتصر على تطبيق قانون يعطيها الحق فى رفض أو قبول إنشاء أى منظمة (أو نقابة أو جمعية) دون إبداء أسباب، والموافقة على ترشيح أعضاء مجالس الإدارة والاعتراض على قراراتهم، والتحكم شبه التام فى التمويل، خاصة التمويل القادم من خارج البلاد. بهذه الطريقة، المنافية لدستور ٢٠١٤، يصير المجتمع المدنى تابعاً للدولة وجهازاً يعمل لديها، مثلما صار الحال مع نقابات العمال فى العقود الماضية.


    ونصر، نحن فى المنظمات الحقوقية الجادة، على أن للمدافعين عن حقوق الإنسان، سواء عن طريق الأبحاث أو الدراسات أو التوثيق أو النشر لفضح الانتهاكات أو اقتراح سياسات بديلة أو مساعدة الضحايا، لهم جميعا الحق فى التنظيم بأشكال قانونية مختلفة، بما فيها القانون السيئ السمعة القائم، تجعلنا خاضعين للرقابة من أجهزة الضرائب والتأمينات الاجتماعية وهيئة الاستثمار (فى حالة الشركات) ونقابة المحامين (فى حالة شركات المحاماة).. إلخ، وذلك دون تدخل من الدولة فى تحديد الأنشطة أو التمويل من جهات محلية أو أجنبية، طالما كانت جهات مشروعة، وطالما كان التمويل علنياً، وطالما كانت مؤسساتنا تسدد ما يستحق عليها من ضرائب وتأمينات وتعلن عن أنشطتها وتقاريرها بشفافية.

    إن التحديات التى تواجهها مصر جمة وخطيرة، وتحتاج إلى تعدد الأصوات وكشف الحقائق وفتح المجال أمام مشاركة كل المعنيين بالعمل العام. لقد مضى العهد الذى كان يمكن للدول فيه أن تتطور اقتصاديا أو اجتماعيا أو سياسيا عن طريق المرور على دماء وأجساد المعذبين، وانتهاك حقوق قطاعات واسعة من مواطنيها، ولا نعتقد أن الحكومة تريد أن تمضى بنا فى طريق كوريا الشمالية، وحتى لو أرادت فإنها لن تستطيع لأسباب يطول شرحها. لقد قدمنا، نحن ومنظمات حقوق إنسان أخرى، منذ ثورة ٢٥ يناير، مقترحات رئيسية للإصلاح فى قطاع الأمن ومسألة العدالة الانتقالية وصياغة تشريعات اجتماعية فى مجالات التأمين الصحى وسياسات الإسكان ومشروع قانون لحرية تداول المعلومات. وقام بعضنا بهذا بالتعاون العلنى مع وزارات وهيئات فى الدولة ومع المجالس التشريعية. وواصلت بعض المنظمات توثيق الانتهاكات والاحتجاجات العمالية أو تصدت بالشرح والتحليل للسياسات الاقتصادية المتعلقة بشفافية الموازنة والفساد وقوانين التصالح مع رجال الأعمال.


    ولكن ما يحدث الآن من تهديدات علنية ومستترة يجعل مجال العمل العام، الذى يجب أن يكون مفتوحاً أمام كل معنى بمستقبل هذا الوطن، ضيقاً للغاية وممتلئاً بالمخاطر، بينما تتراجع المعالجة الحقوقية والقانونية لقضايا الحريات بكل أشكالها خلف إعلام وصرخات الحرب على الإرهاب والحفاظ على الدولة دون أى نقاش حقيقى هادئ حول دور الدولة وعلاقتها بالمجتمع وحق المواطنين بأشكال مختلفة فى التعبير عن مواقفهم فى سياسات وممارسات الدولة والنضال من أجل حقوقهم. عندما لا يعلو صوت فوق صوت المعركة، نخسر المعركة. هذا ما علمتنا إياه الهزيمة، أو النكسة، فى الحرب مع إسرائيل. وعندما يدعى صوت واحد أنه الحقيقة، فهناك خطر حقيقى أن نسقط فى هاوية لا مخرج منها.
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: الحكومة المصرية قررت أن تنهى جولة تضييق الخناق على منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان فى مصر Rating: 5 Reviewed By: Unknown
    Scroll to Top