728x90 شفرة ادسنس

  • اخر الاخبار

    الثلاثاء، 5 أبريل 2016

    عودة الطيور إلى أوطانها .. تصف الليلة الأخيرة في السجن .. ولقاء القدس ..

    كتبت فداء الشيخ
    غاب نهار آخر وبدأ الليل مربك كأول ليلة، مليء بالترقب والخوف، ففي الليلة الأخيرة يصبح للألم لذة الحنين، فيسهر إلى ما بعد منتصف الليل، ليختزن المكان في ذاكرته، يعز عليه فراق السجن بعد اثنتي عشرة سنة، كيف يمكنه أن يقتطع اثنتي عشرة سنة من عمره ليواصل الحياة خارج هذه الجدران وكأنه لم يدخلها، لقد صارت له هنا عادات وذكريات، لقد بدأ هنا شابا في الثامنة عشرة وهو اليوم في الثلاثين، يرتبك قلبه وهو يتذكر أمه، ترى كيف يعامل رجل في الثلاثين أمه؟! كيف يطرق باب بيته؟ كيف على رجل في هذه السن أن يمشي في الشوارع، كيف ينظر إلى الوجوه والأشياء..

    طويلة هذه الليلة، مبهمة كسؤال معلق بين خيط نور ومنحدر عتمة، فيصارع فراشه بحثا عن وضعية للجسد تريح الفكر وتجلب النوم، فيهرب من هواجس المستقبل إلى الطفولة وحدها تؤنس وحشة شعوره في هذه الليلة الباردة كيلة أخيرة. يطارده الحزن، كم من الأسماء والوجوه والقصص، كم من الآلام، وكم من الحنين للمكان الذي اعتاده ولم يعتده، بيد أنه مرهق حد الأرق، فيكون ليله مبهما كحسرة ومنقطع النظير، ويكون فجره بائسا، وتكون شمسه مربكة ويكون وحده خارج القضبان والأسلاك الشائكة، لا يجسر على الالتفات خلفه، ويكون دمعه حيرته، ويؤلمه الفراق...
    قبل أن تسري في جسده شحنة من الفرح المغلف ارتباكا: سألقاها أخيرا.. ويعود إليها كما تعود الطيور المهاجرة إلى أوطانها يعود، ويغرق في مناجاتها: أعود إليك ولكن بنصف جناح وريشة ذيل!
    أعود كطير مريض مكسر الريش والأجنحة، أعود مشيا على قدمي، وما أبشع الطيور وهي تمشي، يقلتا التعب وتطوق روحها للانعتاق ولكنها تمشي وأمشي، فما أبطأ قدمي وما أسرع قلبي وأكبر جرحي!
    هذه المرة آتيك زحفا عى جراحي، أعود إليك كما تعود السلاحف إلى بحرها، يا بحري الهادئ، أستعيد أمواجك وابتلعيني أعيديني إلى الأعماق وهناك اقتليني، املأي رئتي ماء فما عدت أحتمل الهواء، إنه بعد عقد ونيف صار أثقل، صار يخنقني فاخنقيني بالماء كي لا أختنق!
    هيئي قلبي لتحمل كل هذه الرطوبة التي بدأت تطفو على أفكاري، علميني كيف أحتمل كل ما قد حل بي، كنت في السجن على أهبة الترقب أخاف أن أحزن أو أتألم، كنت في المعركة مأخوذا بالتحدي والآن لدي ما يكفي من الوقت لأشعر بالألم عن كل السنوات السابقة فاحتويني ..

    وصلت! تتوقف الشمس عن الإشعاع ويتوقف جرحي عن الزحف وأتوقف عن الدوران حول نفسي، أمام سورك عند أول باب العامود، أواصل زحفي إليك مثقل الخطى، يلهث القلب لأسرع ويخاف القلب منك!
    فأتوقف، أراقبك، فتنكسر نظرتي وتتلعثم مشاعري، أقف أمامك كطفل مذنب جاء يعترف لأمه، يعترف حبا وألما، هنالك أخطاء يوجعنا الاعتراف بها ويغرينا ارتكابها وكنت أمي.. في تلك اللحظة الممتدة كدائرة مقفلة حول جرحي، كذلك السور الذي ينسدل على جانبيك كثوب أنيق، كم عدت إليك أحمل دمعي والآن اكتشف علاقة أخرى تربطنا، إننا حزينان ككل الأيتام، ككل الذين يعانون الوحدة ويحترفون الشقاء، أنزل الدرجات المؤدية إليك وكأنني أتساقط دمعا، أنزل وصار جسدي دمعة واحدة تذرف من عين واحدة لأم واحدة! أدخل بابك فأعود إليك، كما تعود الأجنة إلى أرحام أمهاتها، فأعيدي حبلك السري لي امنحيني ما يحتاج الأجنة، جائع أنا أمي منذ سنوات فأطعميني، تبعثرني صدمة اللقاء، تتربص بي جدرانك، تطاردني أسماء المحلات التجارية وبسطات لنساء بائسات على جانبي الطريق، وتعيدني أسماء الجرائد المعروضة للبيع إلى وعيي، ها أنت ثانية مدينة لا تعيش خارج السياسة، فأعود أدراجي هربا من ثورتك، خوفا من البوح لك بما يؤلمني، بعض الآلام تفقد صاحبها هيبته، لا يتوقعون له آلاما كهذه!
    صرت فجأة أخشى أن أخسر احترامك فيرجعني إليك الغبار على الجدار .

    فأتقدم نحوك صامتا، الصمت سلاحنا الوحيد أمام نفوسنا التي تتلف ويمتص الألم قوتها، فأصمت وأترك يدي لجدرانك تنسحب عليها، وأنا أمشي في أعماقك أراقب غبارك الأزلي على يدي، أبتلع خيبتي وأترك لك كتفي أجره مع الجدران لتستندي إليه، تغريني أزقتك بالضياع عبرها، وتجتاحني رغبة بالتوحد فيك، فضميني إليك حتى تختلف أضلاعي، أعيدي تكوين تضاريس جسدي اسحقي العظم واللحم واسلخي الجلد عني، علني إن صرت حجرا في جدار أتطهر..

    أصل أبواب قلبك، أبواب مسجدك المقدس، كيف أعتذر لك عن كل هذا الحزن، أنا لم أرجع بالسعادة مرة، لم أجدها أمي، كيف يفرح من لا وطن له؟!
    وأمضي نحوك، أتوضأ مرة مرتين أتوضأ سبع مرات عساني أتطهر من حزني، ولكن الألم لم يترك جلدي فأمشي حافيا فوق ترابك، أستعيد بشريتي في مفهومها الاول، أترك التراب فوق قدمي لأعود تربا، الآن فقط في لحظة السجود بين يدي الله فوق قلبك المرتجف أبكي، الآن أشفى من لهيبي الآن أعجن ترابك بدمعي والآن أتطهر.. والآن أحبك في هذه الساعة المقدسة فأعيديني طفلا يحاول التوازن فوق المصاطب، أعيدي عقلي إلى براءته الأولى، لا يعرف غير العد، لأمشي أعد البلاطات مفتخرا وكأن الأعداد التي أخفظها تختزل كل العلم، أعيدي لي أسناني التي تركتها على أسوارك للشمس التي كانت قادرة على إشعاع الدفء سنا سنا، أعيدي ولادتي أمي، أخرجيني من هذه الجدران أقوى..

    وتهدأ نفسه بعد كل تلك الدموع، بدأ الفرح يتسلل إلى روحه سكينة من ظلال الأشجار فيخرج من باب المجلس يراقب المدينة من جديد، كم من الساعات أنفق ليس يدري، كان السجن وقتا منذورا للهدر فملأه تحديه حياة وواجبات، والآن يهدر الساعات ليستعيد الوقت.

    وفي عتمة الليل الذي يكسو الأحجار العتيقة مهابة لا تقاوم، يراقب الناس، إنهم ليلا أكثر رقة، عيونهم مستيقظة أكثر مما ينبغي، شيء في أزقة القدس وباب الواد يؤجج فيه الرغبة بالنهوض من جديد، يخبره أنه بضياعه رجل مكتمل الانكسار وأن عليه أن يصحو، فيعود إلى بيته، يصعد درجات كثيرة مرورا ببيتين لجارين، هنا في القدس يقتسم الناس حياتهم، روائح أكلهم ومشاكلهم التافهة التي تشب بعد منتصف الليل، يقف أمام بيته الحديدي المتصدع والمهترئ الدهان كقلبه، يطرق الباب طرقتين، يفتح أبوه، يعانقه يذرف دمعة، يستسلم لرائحة الأسرة وذكريات الطفولة مع أخيه، وإذا بالنفس تطلب وحدتها فيتناول عشاءه مع أسرته ليظهر له السؤال عالقا تحت أسنانه: كم أحتاج من الوقت ليغادرني السجن؟؟
    ضجة -اخبارمصر -اخبارعربيةخبارعاليمة-حوادث-اعلانات -زياء و جمال و انوثة- اسلاميات-اقتصاد-المجلس-اخبارمصر-التعليم والصحة-اخبارمصر-رياضة-اخبارمصر-سياسة-اخبارمصر-اخبارعالمية-اخبارعربية 


    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: عودة الطيور إلى أوطانها .. تصف الليلة الأخيرة في السجن .. ولقاء القدس .. Rating: 5 Reviewed By: Unknown
    Scroll to Top